بعد تغطية النظام الجزائري، بواسطة مختلف أساليب التسويف وليّ عنق القانون، على فضائح النهب المالي داخل أروقة شركة “سوناطراك” التي كلفت الخزينة الوطنية مئات الملايين من الدولارات، وبعد الدفن الإكلينيكي لقضايا النهب المالي الكثيرة مثل قضية الطريق السيارة، ومجمّع خليفة التي ذهب ضحية لها المئات من الجزائريين الذين أصيب الكثير منهم بالأمراض العقلية جراء نهب مدخراتهم بالاحتيال على القانون والمحاكمات الصورية، وتعود قضية الفساد مرة أخرى إلى الواجهة وقد فجرها أحد وزراء النظام وهو بختي بالعايب.

رغم المحاولات التي بذلها النظام الحاكم ومن يدور في فلكه للتغطية على هذه الفضيحة فإن الأوساط السياسية على مستوى المعارضة وعلى مستوى الشارع الشعبي تدعو إلى فتح صندوق “باندورا” للكشف عن الحقائق بالأسماء والأرقام من أجل إحالة المتورطين إلى العدالة.

أهمية تصريحات الوزير بالعايب تتمثل في كونه ينتمي إلى قيادة حزب التجمع الديمقراطي الجزائري الموالي لنظام الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة والذي يتزعمه أحمد أويحيى الوزير الأول السابق والمسؤول الحالي عن ديوان رئيس الجمهورية. من الناحية السياسية فإن اتهام وزير التجارة بختي بالعايب لمسؤولين كبار بوزارته بتزوير توقيعه وبتورّط مسؤولين آخرين موجودين في الهرم الأعلى بدواليب النظام الحاكم بالفساد المالي، يعدُّ ضربة قوية للسلطة الحاكمة من جهة، وخروجا عن بيت الطاعة السائد منذ زمان بعيد من جهة أخرى.

المدهش هو خروج وزير العدل الجزائري طيب لوح إلى العلن ليغطّي غابة الفساد المستشري خاصة عندما قلّل، على نحو مبطّن، من أهمية تصريحات وزير التجارة ومن النيابة العامة في آن واحد بقوله بأنه “لا يجب أن نحكم على المنظومة القانونية بسبب هذه القضية، لأن هذا غير صحيح”.

ومن العلامات الدالة على تحوّل الفساد إلى ظاهرة يومية في الجزائر قول وزير العدل الجزائري “المحاكم تعالج يوميا الآلاف من القضايا المتعلقة بالفساد والرشاوى، ولا توجد فقط القضية التي تتحدثون عنها”. والأدهى والأمرّ هو أن وزارة العدل الجزائرية قد دعت المواطنين مرارا إلى تقديم الشكاوى ضد الفساد، غير أن معظم الذين استجابوا لهذا النداء وجدوا أنفسهم في غياهب السجون. وفي الواقع فإن مبدأ محاسبة المسؤولين المرفوع كشعار لا يعمل به إطلاقا، والدليل على ذلك أن جميع الذين تورطوا في تهريب الأموال إلى الخارج، أو الذين أثرَوْا من التلاعب بالمشاريع الكبرى بتواطؤ الشركات الأجنبية في الجزائر لا يزالون في مناصبهم. أما من أقيل منهم فهو فوق القانون.

هناك أمثلة كثيرة على الفساد بكل مشتقاته تتردد على ألسنة المواطنين الجزائريين ولا أحد على مستوى الأجهزة العليا في الدولة حقق فيها أو أصدر بيانا رسميا عن صحتها أو عدم صحّتها، منها مثلا استيلاء وزير سابق للتربية والعدل على جزء من شاطئ البحر المحاذي لمنزله حيث قام بتسييجه وأصبح من ممتلكاته بعد أن كان ملكية عامة للمصطافين الجزائريين والزوار الأجانب.

ظاهرة الاستيلاء على الأراضي من طرف كبار المسؤولين في مختلف أجهزة السلطة لم يفتح ملفّها حتى يومنا هذا سواء من قبل جهاز الشرطة القضائية والعدالة أو البرلمان أو مجلس الأمة وغيرها من الهيئات التابعة للدولة، التي يفترض أنها تسهر على محاربة كافة أشكال النهب المادي.

في إطار التستر على فساد المسؤولين الكبار عقَّب رئيس الوزراء السابق الجزائري مولود حمروش على هذه المعركة التي تنسف مصداقية الحكومة داعيا إلى عدم انتقادها، ويعني بذلك ضرورة وقف الصراع بين أعضاء حكومة عبدالمالك سلال بحجة أن الجزائر تمرّ بصعوبات وتعيش ما يدعوه بالأوضاع غير الطبيعية سوى قوله الضارب في العموميات والخطاب الخشبي أن الجزائر تواجه الإرهاب، علما أن الفساد المالي لا يقلّ خطرا عن الممارسات الإرهابية بل هو جزء لا يتجزأ من عمليات التفكيك التي تتعرض له البلاد على أيدي الكثير من رموز النظام الحاكم في الجزائر. ويفهم من هذا الموقف الذي يتبناه حمروش أنه يقبض العصا من الوسط قصد مهادنة أجهزة الحكم القوية لكي ترضى عنه وتعتبره وجها سياسيا معتدلا تحسبا للانتخابات الرئاسية القادمة التي يطمح أن يترشح لخوض غمارها.

الصراع المندلع الآن ليس بين وزير العدل ووزير التجارة فقط، بل إن العناصر القيادية المحسوبة على النظام في حزب التجمع الديمقراطي الجزائري قد تحركت من خلال شخص الناطق الرسمي باسم هذا الحزب وهو صديق شهاب الذي انتقد تصريحات الوزير بختي بالعايب معتبرا إيّاها بمثابة محاولة للقضاء على وحدة هيئة الحكومة التنفيذية. وفضلا عن هذا الانتقاد فإن صديق شهاب، ممثل حزب التجمع الديمقراطي، قد رفض قرار وزير التجارة القاضي بالسماح باستيراد السيارات التي يقلّ عمرها عن ثلاث سنوات، علما أن هذا الرفض يدخل في إطار حماية انخفاض أسعار السيارات التي تستوردها الشركات المحتكرة للاستيراد فأغلب أصحاب هذه الشركات هم من الأشخاص المقربين من النظام الحاكم أو من المسؤولين الكبار في مختلف أجهزة الدولة الذين يلبسون أقنعة الأسماء المستعارة، أو يقفون وراء أشخاص وهميين أو حقيقيين حتى لا يتم اكتشاف حقيقتهم.