تدور نقاشات عديدة حول قضية عودة العناصر الإرهابية من مناطق التوتر التي يتواجدون فيها إلى بلدانهم، وقد برز ذلك بقوة في تونس التي صدّرت الآلاف من المتشددين إلى مناطق الصراع في سوريا والعراق وسواهما على مدى السنوات الخمس الماضية.

وقد برزت في هذا الإطار دعوات للتظاهر في تونس رفضا لعودة “الإرهابيين” ومطالبة بإسقاط الجنسية التونسية عنهم. تستند هذه الدعوة إلى فرضية أن هؤلاء يرفضون الانتماء إلى بلدانهم وقد قرروا بإرادتهم الانتماء إلى ما يسمونه دولة الخلافة. وعليه فليبقوا حيث هم، وإذا كانت تنبغي محاكمتهم فليحاكموا في البلدان التي ارتكبوا فيها جرائمهم.

تستخدم “عودة الإرهابيين” كفزاعة للشعوب إذ تذكّر بعودة “المجاهدين العرب الأفغان” في تسعينات القرن الماضي بعد انتهاء دورهم في أفغانستان، إلى بلدانهم في الخليج ومصر والجزائر، وما ترتب عن تلك العودة من أحداث أمنية وجرائم دموية خصوصا في الجزائر وفي مصر والسعودية.

هناك العديد من أوجه الشبه بين “الأفغان العرب” وبين إرهابيي اليوم، ولكن هناك اختلافا في الظروف الموضوعية التي أحاطت بعودة كل منهم. وفي كل الأحوال لا بدّ للقوى الحيّة في شعوبنا أن تستفيد من التجربة الأولى كي تتفادى النتائج الوخيمة التي يمكن أن تترتب عن العودة المرتقبة، التي تلوّح بها قوى معينة، لهؤلاء الإرهابيين المحتملين.

والغريب أن الجهات التي تثير الرعب من هذه العودة هي إمّا في موقع المسؤولية السياسية وإمّا من هم في صفها. وهي الجهات التي عليها تقع المسؤولية المباشرة في إصدار وتنفيذ القوانين التي يفترض بها حماية أمن البلاد وسلامة المواطنين. وهي بالتالي من يفترض فيها عبر مؤسسات الدولة مباشرة العمل على استرداد مواطنيها المتهمين بالإرهاب ومقاضاتهم عبر محاكمات علنية وشفافة تبعث الطمأنينة في نفوس المواطنين، وتكشف كل ملابسات التحاق هؤلاء بالمنظمات المصنفة إرهابية بما في ذلك الكشف عن الجهات التي حرّضت والتي موّلت ودرّبت وسهّلت لهؤلاء الالتحاق بالمنظمات المذكورة، والكشف عن الجهات التي وجّهت عمل هؤلاء وحددت لهم الأهداف والتوقيت للقيام بجرائمهم الإرهابية وحين حصلت أو كان بالإمكان أن تحصل.

من الملاحظ أن غالبية الذين ارتكبوا جرائم صُنّفت إرهابية في أوروبا وأميركا وفي تونس وتركيا قد تم قتلهم في موقع الحادثة نفسها. والبعض القليل الذين تم القبض عليهم، كما في بلجيكا وفي فرنسا لم نشهد لهم محاكمات علنية وشفافة. هذا الأمر يثير الكثير من التساؤلات حول كل ما ذكر أعلاه، وخصوصا عن الجهات التي حددت الأهداف والتوقيت وسهلت لهؤلاء القيام بجرائمهم.

إن استرداد تونس، مثلا، للمئات ممن يتهمون بالإرهاب، والعمل على إجراء محاكمات علنية وشفافة لهم سوف يفضي حكما لمعرفة المحرك الأساسي للعمليات الإرهابية في هذه المرحلة ويكشف الأسباب الحقيقية لاستخدام هذا الشكل من الحروب.

هناك خشية من إدخال المنظمات الإرهابية إلى تونس لتضرب استقرارها ولتحيل أخضرها يبابا أسودَ. وهذا مرفوض وتنبغي مواجهته بقوة. ومن يتحمل المسؤولية المباشرة عن منع هذه الكارثة مؤسسات الدولة التونسية وأجهزتها القضائية والأمنية. أما الذين يحاولون الضغط على الحكومة التونسية لمنع عودة التونسيين المتهمين بالإرهاب، فإنهم يقدمون خدمة مجانية للجهات التي من مصلحتها التعمية على حقيقة من يقف وراء الحركات الإرهابية ويحركها.

إذ لن يهبط الإرهابيون إلى تونس من الفضاء ولن يكون بمقدورهم الدخول لممارسة دورهم التخريبي إلا برعاية تلك الجهات التي من شأن إغفال محاكمة المتهمين أن يُتستر عليها. فالمطلوب ممارسة الضغط على الحكومة التونسية من أجل العمل على استعادة التونسيين المتهمين وتقديمهم إلى المحاكمة وليس منعهم من العودة.

الإرهاب ليس ظاهرة عفوية، وليس شكلا من أشكال الصراع الاجتماعي، ولم ينشأ عن أفكار وعقائد مجردة، ولكنه شكل من أشكال الحروب على الشعوب تحركه قوى ذات مصلحة في إنهاك الشعوب وفي تدمير المجتمعات وفي إدامة السيطرة عليها.

وعلينا أن نلحظ كيف انفلت الإرهاب وهُيّئت له الإمكانات الكافية لجعله ظاهرة كونية مرعبة بُعَيد انفجار الانتفاضات والثورات الشعبية في المنطقة. هذا الربط كفيل باستحضار وتوقع إجابات عن سؤال الإرهاب، إجابات يمكن أن تصبح حقائق دامغة إذا ما أجريت محاكمات شفافة وعلنية لعدد كبير من الإرهابيين من مناطق وخلفيات مختلفة.