واصل المنتخب المغربي التعبير عن تطوره الفني الملموس تحت قيادة المدرب الفرنسي «هيرفي رونار» للمباراة الثانية بدور مجموعات كأس أمم أفريقيا 2017.
لكن هذه المرة استطاع الفريق تعويض خسارته للمباراة الأولى أمام الكونجو الديمقراطية بفوز مستحق على توجو بثلاثة أهداف لهدف رغم التأخر بهدف في الدقائق الخمس الأولى.
واستعاد فريق أسود الأطلس آمالهم في الترشح إلى ربع النهائي للمرة الأولى منذ جيل نور الدين نايبت وطلال القرقوري وجواد زايري ويوسف حاجي في النسخة التي استضافتها الأراضي التونسية عام 2004.

وفي هذا التحليل الفني، سنتناول أبرز اللمحات التي صنعت الفوز المميز للمغرب على توجو، على هيئة إيجابيات وسلبيات.
الإيجابيات

1- أنجح ثلاثي الوسط «كريم الأحمدي وفيصل فجر ومبارك بوصوفة» الخطة التي اتبعها هيرفي رونار منذ بداية اللقاء «4-3-3»، فكل واحد منهم كان يقوم بأكثر من دور، وهذا أعطى إتزانًا غير مسبوق لوسط ملعب الفريق، وأدى لعزل وسط توجو عن الهجوم بشكل كبير على مدار اللقاء باستثناء لقطة الهدف الذي سجله «دوسيفي» في الدقيقة الخامسة.
كريم الأحمدي حَمل على عاتقه مسؤولية إفساد الهجمات وقص التمريرات الأرضية لمدة 90 دقيقة، وكان هو أكثر لاعب ركضًا ومحاولة على الكرة أمام لاعبي توجو في وسط ملعب المغرب، والأهم محافظته على لياقته البدنية ومستواه في استخلاص الكرة بعد تراجع مردود بوصوفة وفيصل فجر خلال الدقائق التي تلت تسجيل الناصري للهدف الثالث.

2- التسليم الصحيح للكرة من قبل مبارك بوصوفة وفيصل فجر، وضعا العديد من الكرات الرائعة إلى الأمام، سواء في العمق أو على طرفي الملعب، ودقتهما هذه ساعدت الثنائي «منديل وسايس» على التقدم لعمل الزيادة العددية مع نبيل درار والقدوري ثم الناصري بعد نزوله من على الدكة.
أكثر ما ميز تمريرات بوصوفة وفجر أنها كانت دائمًا أمامية وليست عرضية أو إلى الخلف أو في خلف اللاعب المنطلق، وهذا سهل على منديل وسايس تسلم الكرات أثناء صعودهما للمساندة الهجومية، وسهل المأمورية على بوحدوز ودرار والناصري في التسليم ومراوغة الخصم من وضع الركض.

3- التأخر بهدف في الدقيقة الخامسة من المباراة الثانية بدور مجموعات بطولة بحجم أمم أفريقيا لفريق قادم من خسارة مؤلمة أمام الكونجو الديمقراطية بعد أن فعل كل شيء في كرة القدم، حدث كان يجب أن يُدمر ويقضي تمامًا على معنويات عناصر المنتخب المغربي، ولا أخفيكم أردت حدوث ذلك لرؤية ردة فعل الفريق كيف ستكون، وكيف سيتصرفون، ليس من أجل قراءة المزيد من العناوين الساخنة في الصحف المغربية بل لاختبار التأثير الحقيقي لهيرفي رونار على الفريق من الناحيتين النفسية والتكتيكية.
لاعبو المغرب لم يستسلموا بعد ذلك الهدف العبقري الذي سجله دوسيفي من تلك الهجمة الرائعة، وتكاتفوا من أجل تسجيل هدف التعادل في أسرع وقت ممكن، دون الكف عن محاولة تسجيل هدف ثان وثالث، درار أهدر هدف مؤكد بالرأس، ونجح سايس في إضافة الهدف الثاني، وبعدها تعاملوا بذكاء وبهدوء أعصاب باستحواذهم على الكرة وتدويرها لتكسير معنويات الخصم.
الكرة فعلاً كانت “عزيزة” على كل لاعب من لاعبي المغرب، على النقيض من توجو الذين سجلوا وعادوا إلى الخلف فكان من الطبيعي بعدها تلقيهم لهدف واثنين وثلاثة.
ارتداد المغرب من الخسارة للفوز مع تقديم هذا الأداء الراقي دليل دامغ على ترسيخ رونار لعقلية الفوز داخل جميع عناصر هذا الفريق بما في ذلك البدلاء الذين حاولوا إثبات أنفسهم قدر المستطاع فسجل أحدهم هدف ممتاز من تصويبة صاروخية قبل صافرة النهاية بـ 20 دقيقة تقريبًا.

4- منذ المباراة الأولى لتوجو أمام كوت دي فوار وهم يحاولون التسجيل من هجمات مرتدة، واليوم قدموا لوحة فنية من ست لمسات، بدأت بتشتيت رأسي نموذجي من أديبايور لكرة عرضية من ركنية لتمرر بسرعة قياسية بين خمسة لاعبين جميعهم تحركوا من دون كرة حتى أنهوها في شباب منير المحمدي. أعتقد أن هذا الهدف سيدخل كتب أهم أهداف الكرة الأفريقية التي جاءت من هجمات مرتدة.

5- تطبيق رونار لخطة الدفاع المتقدم باستخدام كريم الأحمدي ومروان دا كوستا ومهدي بنعطية وسايس الذين كانوا يلتزمون بأدوارهم الدفاعية وقت تقدم منديل للمساندة الهجومية مع فيصل فجر ومبارك بوصوفة والثلاثي الأمامي، وهو نفس النهج التكتيكي الذي اتبعه رونار أمام الكونجو الديمقراطية كينشاسا في الجولة الأولى، وأعجبني كثيرًا، فقد ذكرني ببعض الفرق الأوروبية مثل برشلونة وبايرن ميونخ وفياريال ومانشستر يونايتد وآرسنال، تلك الفرق التي لا تعطيك فرصة للتنفس، فمبجرد تشتيت أحد مدافعيك للكرة والاستعداد للخروج في هجمة مرتدة أو لتنظيم هجمة مثلاً أو لتدوير الكرة وتهدئة اللعب، تجد أكثر من لاعب يُحاصر حائز الكرة يمينًا ويسارًا بضغط متقدم لا حل له إلا التحرك من دون كرة كما فعلت توجو في لعبة الهدف، وهذا شيء يصعب تكراره على مدار ال90 دقيقة بالذات لفرق لم تستعد كما ينبغي لهذه البطولة التي تقام في توقيت صعب من الموسم الكروي.

6- العرضيات كانت مؤثرة جدًا بالنسبة للمنتخب المغربي وذلك على عكس المباراة الأولى التي كان فيها مبارك بوصوفة يمرر بشكل غير دقيق، حيث تكلف بتنفيذ كل الركلات الثابته، لكن أمام توجو الوضع اختلف مع فيصل فجر الذي كان ينوع ما بين التمرير على القائم القريب والقائم البعيد وفي مناطق حساسات داخل منطقة الجزاء وفي ارتفاع قاتل للمدافعين.

السلبيات ..

1- واجه المنتخب المغربي صعوبات ملحوظة للتعامل مع الهجمات المرتدة لتوجو، كل الخطر كان من تلك العمليات الصعبة، فقد لعب رفاق أديبايور على نقاط الضعف المتمثلة في التقدم المبالغ فيه لمنديل لأداء الدور الهجومي، وفي ابتعاد المهدي بن عطية عن مروان دا كوستا، فكانت تمرر العديد من الكرات من العمق، ولحسن الحظ لم ينتبه الحكم لدفعة بنعطية لأديبايور في إحدى الهجمات أثناء التعادل 1/1.

2- كما أشدت في الإيجابيات بالنزعة الهجومية التي تحلى بها المنتخب المغربي، يجب أن ننتقد المبالغة في الهجوم، فأمام فريق أكثر خبرة من الكونجو الديمقراطية وتوجو ستكون المغرب لقمة سائغة، وربما تستقبل أكثر من هدف، يجب أن يتوخى رونار الحذر ويلعب بنفس الذكاء الذي لعب به في الشوط الثاني، لماذا لا؟ فقد نجح في التسجيل أيضًا بهذا الفكر.

3- من أكثر السلبيات التي لفتت نظري بالطبع الضعف الرهيب في توقيتات خروج حارس مرمى توجو «كوسي أجاسا» من مرماه، كان يتردد كثيرًا في الخروج ومرات أخرى كان يترك مكانه دون أي سبب، وأرى أنه يتحمل جزء كبير مسؤولية هذه الخسارة جنبًا إلى جنب قلبي الدفاع «روماو وأكوريكو».

4- الظهير الأيمن لتوجو «جاكبي» قدم مستوى متواضع للغاية أمام منديل والقدوري، تعرض لاختراق دائم وارتكب أخطاء فردية سببت في منح المغرب العديد من الركلات الثابته ومن ثم المزيد من الخطوة على المرمى، كما مُررت من جهته حوالي 6 عرضيات من بينهم 3 عرضيات كادوا ينتهوا بأهداف.

5- الحكم كان في طريقه لإفساد المباراة حين تغاضى عن ركلة جزاء لكل فريق، لكن من حسن حظه أن النتيجة كانت تشير في الحالتين للتعادل 1/1. ومن حسن حظ الفريقين أيضًا وللأجواء العامة، فدائمًا ما يشعر لاعب كرة القدم مهما كانت درجة احترافيته وعقليته بالظلم والقهر الاضطهاد حين يتغاضى الحكم عن احتساب ركلة جزاء لصالحه وهو متأخر في النتيجة.

محمود ماهر