مما لا شك فيه أن الزواج للمرة الثانية سواء للمرأة أو الرجل أمر طبيعي، إلا أن مسألة إعادة تركيب العائلة مع زوج الأم أو زوجة الأب بوجود الأبناء تظل مدار بحث وتحليلات وأقاويل تتعلق بأهمية توافر الحب والحنان اللازمين لتحقيق الثقة المتبادلة لعيش حياة مشتركة.
رغبة المطلقة أو الأرملة في تجديد حياتها تصطدم بواقع لا يرحم.
عندما تقرر المرأة الزواج للمرة الثانية بسبب حدوث الطلاق أو بعد ترملها، تقع تحت وطأة رفض الأبناء لحقها في ذلك ونظرة المجتمع السلبية لزواجها الثاني، معتبرين أنه من الأفضل لها تربية أبنائها، مجردين تلك المرأة من حقها في أن تتزوج مرة أخرى، وعندما يحدث الزواج الثاني، تظل صورة زوج الأب هو ذلك العدو الأول للأبناء الذي شاركهم أمهم، ومدمر الأسرة، والمتسبب الرئيسي في صراعات ومشاكل الأبناء المستمرة، فهذا هو الانطباع الذي وضعه المجتمع لصورة زوج الأم وتبرز صورته الأفلام والمسلسلات العربية، في دور الرجل الشرير الذي مهما فعل لكي يكون الأب البديل فلن يرضي الأبناء.

السؤال الذي يجب طرحه هو هل بالفعل زوج الأم شرير دائما في الحقيقة، ينصب المكائد والمصائب للأبناء؟ أم أن الأبناء يأخذون موقفا عدائيا لمجرد أن هذه هي الصورة مترسخة في الأذهان، أم أن المذنب هي الأم نفسها لأنها سمحت بدخول شخص غريب على أبنائها؟

تضاربت الإجابات حول هذه الإشكالية في مختلف الحالات، لنجد أن زوج الأم يظهر في صورة المغتصِب والمعتدي على بنات الزوجة والمعذب للأم وأولادها أحيانا، ونجده في صورة أخرى يتمثل في الأب الحنون صديق الأبناء، والسبب في تربيتهم ونشأتهم نشأة سليمة وتعليمهم ووصولهم إلى أعلى المناصب.

حول ذلك توضح ابتسام محمد، أستاذة علم الاجتماع بجامعة القاهرة قائلة “هناك موروث اجتماعي كبير يحصر دور الأرملة والمطلقة في التضحية من أجل أبنائها، ومن هذا المنطلق، فإن الثقافة السائدة في المجتمع ترفض زواج هاتين الفئتين من جديد بسبب وجود الأبناء، وتطالبها بالتضحية من أجلهم، دون النظر إلى حاجتها العاطفية والنفسية والجسدية”.

زواج الأم من شأنه أن يزيد من مضاعفات عدم التوافق النفسي الذي يعاني منه الأبناء ليصل إلى حد اضطرابات النوم والأكل، وتأخر التحصيل الدراسي، والانعزال عن المجتمع، والعدوانية المبالغ فيها في بعض الأحيان
وأشارت إلى أنه في حالة تفكير المرأة في الزواج مرة أخرى بعد وفاة زوجها، فلا يتردد المجتمع في اتهامها بنكران الجميل لزوجها الأول، أو عدم مراعاتها لمشاعر أبنائها، والسعي وراء مصالحها الشخصية على حساب مستقبلهم، ويعد هذا ظلما كبيرا لها، مبينة أن وسائل الإعلام ساهمت بشكل كبير في وضع صورة ذهنية نمطية سلبية للأرملة أو المطلقة التي تتزوج من جديد، حيث تصفها بالمرأة الأنانية المتصابية، التي تبحث عن رغباتها وتهمل أبناءها بعد الزواج برجل آخر، بل وتجسدها أحيانا في صورة امرأة تسمح لزوجها بمعاقبة أبنائها من الزوج المطلق أو المتوفّى، بشكل لا يوجد فيه أدنى رحمة، وهذا ما يفاقم الأمر اجتماعيا.

في حين ترى هالة حماد، استشارية الطب النفسي، أنه ليس من الضروري أن يكون شكل زوج الأم هو ذلك الرجل السيء الذي تصدره الأفلام والمسلسلات في صورة المغتصِب والناهب لثروات الأبناء، لكنه قد يوضع في قالب عدائي بسبب غيرة الأبناء على والدتهم، لذلك يحمل على عاتقه عبئا كبيرا في محو هذه الصورة السيئة من ذهن الأبناء، وهذا يتطلب جهدا كبيرا ووقتا طويلا، وبعض الأمور الأخرى التي تتمثل في تقديم الهدايا والكلمات الرقيقة للأبناء التي تدعو إلى الحب والود وإنشاء علاقة طيبة، والبعد عن أخذ دور الأب، وتبنّي مسؤولية النصيحة والتربية خصوصا مع الأولاد الأكبر سنا، بالإضافة إلى عدم التفرقة في معاملة أبناء الزوجة والأبناء الأصليين حتى لا تزيد المشاحنات بين الأبناء.

ونصحت بإقامة علاقة طيبة وسويّة مع والد الأولاد في حالة الطلاق تسمح بزيارة الأب لأبنائه داخل البيت لرؤيتهم، والحرص على احترام خصوصية الأبناء خاصة إذا كانوا إناثا ووضع حدود للعلاقة.

وأوضحت أسماء عبدالعظيم، استشارية العلاقات الأسرية، أن الأبناء هم من يعانون في مختلف الحالات، فالانفصال بين الأب والأم وما قبله من صراعات وظروف جميعها تدفع الأبناء إلى اضطرابات نفسية واجتماعية، وذلك نتيجة مشاعر نقص الحنان وإحساسهم بالخجل من أقرانهم ورفضهم للمجتمع، والذي قد يحوّلهم إلى أشخاص انطوائيين أو عدائيين.

ونبهت عبدالعظيم إلى أن زواج الأم من شأنه أن يزيد من مضاعفات عدم التوافق النفسي الذي يعاني منه الأبناء ليصل إلى حد اضطرابات النوم والأكل، وتأخر التحصيل الدراسي، والانعزال عن المجتمع، والعدوانية المبالغ فيها في بعض الأحيان، بالإضافة إلى العديد من الأمراض النفسية التي قد تصل إلى حد التبول اللاإرادي للأبناء البالغين.

وتنصح أسماء الأم بضرورة التمهيد النفسي للأبناء قبل الزواج بل وقبل اتخاذ هذا القرار، وذلك من خلال إقناع الأبناء بأنها تحتاج إلى الأمان والحب، ولرجل يشاركها الحياة وأمورها الصعبة، حتى يظهر الطرف الآخر في صورة المنقذ للعائلة وللأسرة، وعلى الأم اختيار الوقت المناسب للزواج، فالزواج يكون أفضل عندما يكون الأطفال في سن صغيرة.

وشددت عبدالعظيم على ضرورة الابتعاد عن الزواج في فترة مراهقة الأبناء، لأنه في هذه السن قد يصاب الأبناء بـ”عقدة أوديب” لتزيد غيرتهم على أمهم، وتكون لديهم رغبة في التخلص من زوج الأم، ناصحة بأهمية تقريب المسافات بينهم وتعريف الزوج باهتمامات الأبناء واستمالة كل طرف للآخر وتوضيح مميزاته، وكذلك محاولة امتصاص غضب الأبناء والاهتمام الزائد بهم، لأنهم يكونون أكثر حساسية من ذي قبل، وقبل كل ذلك على الأم حسن اختيار الزوج المناسب لها ولأبنائها، كي لا تكرر نفس الأخطاء، وتضمن أن تكون حياتها الزوجية الجديدة أكثر سعادة واستقرارا.

رشيدة السحباوي