لن يكون زمن الكراهية الذي اقترحه ترامب طويلا. لا لأن المعنيين به من المسلمين سيقاومونه، فهم أضعف من أن يقفوا في وجه الولايات المتحدة، بل لأن الغرب ممثلا بأوروبا سيقف في وجهه.

الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بدأ عصره بالتمييز العنصري، حين منع مواطني سبع دول إسلامية، ست منها عربية، من دخول الأراضي الأميركية.

لم يخف الرجل كراهيته للمسلمين أثناء حملته الانتخابية. وكان متوقعا أن يخفف من تلك الكراهية بعد أن يصبح رئيسا. ما حدث هو العكس. وكما يبدو فإن إعلان الكراهية لن يكون سوى التمهيد لانبعاثة جديدة للوحش الأميركي ليقوم بواحدة من جولاته الشريرة حول العالم. قد لا يكون بعيدا عن المنطق أن يصب ترامب جام غضبه على أوروبا التي لم يستسغ عدد من زعمائها تصريحاته وهم اليوم ينظرون إلى خطواته الأولى بريبة، كما لو أنها تؤكد صحة حدسهم.

ترامب المؤيد لانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، سيلجأ إلى الرد بطريقته المستفزة في محاولة منه لإلحاق أكبر ضرر ممكن بذلك الاتحاد الذي لم يكن وجوده موضع ترحيب بالنسبة إلى الولايات المتحدة يوما ما.

ينبغي النظر هنا إلى زيارة تيريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا ولقائها ترامب بعين حذرة. فالمرأة التي صعدت بالصدفة إلى سدة الحكم، وتسعى إلى أن تكون مارغريت تاتشر الثانية، ترغب بشكل قاطع في الانتقام من أوروبا بعد أن حرمها الاتحاد من انتقائية، كانت تود أن تمارسها أثناء مفاوضات الانفصال.

فهل يعني هذا أننا سنشهد في القريب العاجل مرحلة تقوم فيها الولايات المتحدة بتشكيل تحالف دولي ضد أوروبا، يكون الغرض منه السعي إلى إفشال تجربة الوحدة الأوروبية، من خلال حث الدول على الالتحاق ببريطانيا؟ قد تدخل زيارة ماي إلى تركيا في الإطار نفسه.

تركيا هي الأخرى ترغب في الثأر من القارة التي رفضت انضمامها إليها.

سبق للولايات المتحدة أن أنشأت تحالفات، كان الغرض منها الإضرار بالآخرين. لا تزال آثار تلك التحالفات ماثلة للعيان في العراق وأفغانستان، لكن هل ستصنع حرب ترامب على أوروبا وإن كانت مختلفة غربا جديدا؟

قد يكون صادما ألا يكره ترامب المسلمين وحدهم، بل يكره أوروبا أيضا. بالقوة نفسها يكره المكسيك. وهو ما يعني بالضرورة أنه يكره أميركا التي لو أفرغت من الأوروبيين والمكسيكيين لعادت هانئة إلى سكانها الأصليين ممن تمت تسميتهم بالهنود الحمر.

الولايات المتحدة التي يحكمها ترامب هي بلد مهاجرين. وهو ما يعني أن أي إجراء عنصري يقره الرئيس سيضر بمشاعر ومصالح سكان بلاده. غير أن ترامب الذي رفع في خطاب تنصيبه شعارا وهميا هو “أميركا أولا” لا يدرك أن الغرب الذي تقوده بلاده سيفقد جوهره إن تم تحطيم أوروبا. أوروبا الموحدة هي جوهر الغرب الذي ينطوي على وجوده التاريخي.

كشف الرئيس الأميركي من خلال حملته العنصرية عن نزعة همجية، كان الغرب قد محا آثارها منذ زمن طويل. ما لا يفهمه ترامب أن أوروبا الموحدة صنعت مفهوما جديدا للغرب. ألأن ذلك الغرب كان أخلاقيا أكثر من أن تتحمله تجربته في عالم المال؟

لن يكون زمن الكراهية الذي اقترحه ترامب طويلا. لا لأن المعنيين به من المسلمين سيقاومونه، فهم أضعف من أن يقفوا في وجه الولايات المتحدة، بل لأن الغرب ممثلا بأوروبا سيقف في وجهه.

وقد يكون من حسن حظ العالم أن يكون ترامب قد وضع أوروبا في قائمة أعدائه. ذلك لأن أوروبا وحدها ستهزمه. ذلك لأن روسيا والصين ستكونان خارج الصراع المحتمل.

بالنسبة إلى ترامب فإن إمبراطوريته التي بدأت بكراهية المسلمين لن تكتمل إلا عن طريق إخضاع الغرب. تلك المعجزة التي لن يتمكن من اجتراحها عن طريق المال. ذلك لأن أوروبا قد نجحت عبر أربعين سنة من كدحها الاقتصادي في أن تكون في منأى عن المزاج الاقتصادي الأميركي.

فإذا ما كانت فكرة ترامب تعتمد على إخضاع أوروبا اقتصاديا فإنها فكرة فاشلة. أما إذا اعتمدت فكرته على تحييد أوروبا عالميا، فإن ذلك المسعى لن ينفعه، لأن أوروبا اختارت الانحياز إلى اللاجئين الذين يكرههم.

بوشعيب البازي