لم تكن ردود الفعل الدولية على الجريمة الإرهابية التي طالت مسجدا بالمركز الثقافي الإسلامي في مدينة « كيبيك » بكندا وأدت إلى وفاة 6 من المسلمين وإصابة آخرين …. بمستوى حجم الحدث ودلالاته , كما لم يكن الاهتمام الإعلامي الدولي بما جرى في كيبيك الكندية – رغم فظاعته – مشابها من قريب أو بعيد بالاهتمام الإعلامي بما جرى في كل من فرنسا وألمانيا وامريكا وغيرها مؤخرا من أحداث .

أما الدول الغربية فديدنها العمل على تضخيم أي جريمة أو أعمال عنف تجري على أراضيها , والمسارعة إلى توصيف تلك الأعمال بوصف « الإرهاب » ما إن يتضح لها أن الفاعل مسلم , حتى لو كان بعيدا كل البعد عن حقيقة الإسلام أو لا يمت للدين الخاتم بأي صلة سوى الاسم فحسب , بل وصل بها الأمر – بالإضافة إلى التضخيم الإعلامي – إلى حد اتهام بعض المناهج التعليمية الإسلامية بالتطرف , بل و إلى اتهام الدين الإسلامي « بالإرهاب » كما صرح بذلك الرئيس الفرنسي هولاند عقب هجوم نيس , حيث زعم أن فرنسا كلها تحت تهديد ما وصفه « بالإرهاب الإسلامي » !!

في المقابل لا يجد المتابع ردود أفعال دولية مشابهة حين يكون منفذ الهجوم مسيحيا أو غير مسلم على وجه أدق , حيث يتم حينها الابتعاد عن وصف الجريمة بالإرهابية , وتنتهي التحقيقات بوصف العمل – مهما كان عنيفا ومتطرفا – بالجريمة العادية , وادعاء أن الفاعل مختل عقليا أو معتوه أو مريض نفسي …..أو ما شابه ذلك , تماما كما حصل أكثر من مرة في ألمانيا وغيرها من دول القارة العجوز مؤخرا .

هذه الازدواجية الغربية في التعامل مع أعمال العنف التي تقع بين الفينة والأخرى تزداد مع الأيام وضوحا بشكل فج ومقزز , حتى إن القاصي والداني بات يعلم مسبقا شكل رد الفعل الغربي على أي عمل إرهابي بمجرد معرفة الفاعل أو الضحية , فيكفي كون الفاعل غير مسلم لكي لا يتم وصف عمله بالإرهابي , بينما يتم دائما وصف نفس الفعل بالإرهابي إن كان الفاعل مسلما !!!

كل المؤشرات والدلائل تؤكد أن ما جرى في مسجد المركز الثقافي الإسلامي بمدينة كيبيك الكندية هو عمل إرهابي بامتياز , فالمتهم الوحيد بالجريمة الإرهابية « ألكسندر بيسونت (27 عاما) الفرنسي الكندي المسيحي ….لم يخف ميوله اليمينية المتطرفة , فقد عبر عن إعجابه بزعيمة اليمين المتطرف في فرنسا « مارلين لوبان » والرئيس الأمريكي الجديد « ترامب » وما يسمى جيش الدفاع الصهيوني على صفحته الشخصية على فيسبوك , كما أنه أظهر ميوله المسيحية المتطرفة قبل أيام على شبكة التواصل الاجتماعي  » تويتر » , كما أنه لم يخف عداءه للمسلمين أثناء استجوابه الطويل أمام الشرطة الكندية .

ثم إن جميع الشواهد والأدلة تثبت أن المجرم قد خطط لجريمته مسبقا , وأن ما فعله كان عن سابق إصرار وتخطيط ثم تنفيذ , فقد استأجر شقة قرب المسجد وانتقل إليها منذ يوليو/ تموز الماضي , كما انه تلقى تدريبات على الرماية بالأسلحة في نادٍ محلي ……

لم تكتف وسائل الإعلام الغربية بعدم إيلاء الحدث عشر معشار الأهمية التي توليها لحدث مماثل لو كان الجاني مسلما والضحية من غير المسلمين فحسب , بل وصل الأمر ببعضها إلى اختلاق الأكاذيب وترويج الشائعات المخالفة للحقيقة والواقع .

وفي هذا الإطار يمكن فهم ما أقدمت عليه قناة فوكس نيوز الأمريكية التي سارعت للترويج بعيد الحادث بأن المسلح الذي فعل الجريمة النكراء هو مغربي الأصل – بما يوحي بأنه مسلم – ليتبين لاحقا كذب ذلك , ولتطالب على إثر افتضاح الأمر كبيرة المتحدثين باسم رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو القناة الأمريكية بسحب أو تحديث التغريدة التي أشاعت ذلك الخبر الكاذب على تويتر .

ومع محاولة ساسة كندا وعلى رأسهم رئيس الوزراء « جاستن ترودو » التخفيف من حدة ما يشير إليه الهجوم الإرهابي من ارتفاع منسوب التطرف المسيحي اليميني المتنامي في مدينة كيبيك تحديدا , حيث قال :  » أريد أن أقول بضع كلمات لمواطنينا المسلمين في كيبيك ، نحن معكم ، أنتم في وطنكم ومرحب بكم في وطنكم ، نحن جميعا أبناء كيبيك » ……

إلا أن الحقيقة أن الكثيرين يؤكدون تزايد نشاط الجماعات اليمينية المسيحية المتطرفة في كيبيك ، والتي انتقلت من الحوارات عبر الإنترنت إلى تنظيم الاحتجاجات ، ومنها جماعة « جنود أوين » المناهضة للمهاجرين التي تأسست في فنلندا عام 2015م , حيث يجوب أعضاؤها شوارع كيبيك بانتظام منذ أوائل العام الماضي , كما أن بعض وسائل الإعلام الكندية ما زالت تروج للأكاذيب بخصوص الحادث الإرهابي رغم بيانات الشرطة والسلطات الكندية الصريحة في اتهامها للطالب الجامعي المسيحي , فقد أصر مذيع بمحطة محلية بكيبيك « أف أم 93 » على ترديد أكذوبة على مستمعيه مفادها : أن رجلين مثلمين يهتفان « الله أكبر » هم نفذا الهجوم على المسجد !!!!

لا تقف مسألة الازدواجية الغربية في التعامل مع الجرائم الإرهابية حين يكون الفاعل فيها مسيحيا والضحية مسلما عند حد عدم وصف الفعل بأنه إرهابي فحسب , ولا عند محاولة عدم الاهتمام الإعلامي فقط , بل يصل الأمر إلى حد محاولة تلميع صورة المجرم من خلال طريقة عرض صوره على وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة .

فقد أظهرت وسائل الإعلام الغربية المجرم بصورة لا تتناسب أبدا مع ما أقدم عليه من جرم إرهابي فظيع وشنيع , حيث لم تجد له صورة إلا وهو مبتسما , و لم تر غضاضة أن تشير إلى أن من هواياته لعب الشطرنج …..بينما لم تكن لتُظهر المسلم بمثل تلك الصور لو كان هو المجرم .

ثم لماذا لا يحق للمسلمين في كندا وغيرهم اتهام المسيحيين جميعا بالإرهاب بعد تلك الجريمة البشعة كما فعل ويفعل ساسة الغرب وأتباعهم في الشرق حين يرتكب مسلم جريمة مشابهة ؟!!

بل لماذا لا يحق للمسلمين اتهام المناهج التعليمية التي تلقى فيها الإرهابي « ألكسندر بيسونت » – الطالب في جامعة لافال الكندية – تعليمه كما يتهم الغرب بعض المناهج الإسلامية بالإرهاب ؟!!

أسئلة لا تخفى إجابتها على كل مطلع على حقيقة أن القوة في هذا العصر هي من يتحكم في توصيف الجريمة بكونها إرهابية أو غير إرهابية وليس العلم والمنطق والحق , وإلا فلماذا لا يتحدث أحد عن « الإرهاب » المسيحي ؟!!