يحاول الطبيب الشرعي بمدينة “ليتشي” الإيطالية، من خلال بقايا جثة مهاجر مغربي عثر عليها مؤخرا، فك تفاصيل الجريمة البشعة التي أودت بحياته على يد أحد أفراد المافيا المحلية، وفق ما أفادت به ابنة هذا الأخير في بلاغ وصف بـ”صحوة ضمير”، بعد مضي 7 أشهر عن الجريمة.

وكشفت أولى التحاليل الطبية أن الضحية تلقى ضربة قوية بآلة حادة على رأسه، قبل أن يرمى به داخل برميل ويتم صب مادة حارقة عليه تسببت في إتلاف أجزاء كبيرة من جثته، ثم بعد ذلك قام القاتل بطمره داخل البرميل نفسه بعدما ألقى فوقه ببعض مواد البناء، كالجير والإسمنت المسلح والأحجار، وعمل على تغطيته ببعض أغصان الأشجار أين بقي إلى حدود ليلة 31 يناير الأخير، إذ تم العثور على بقايا الجثة بنواحي بلدة “غاليبولي”، بناء على مكالمة هاتفية من إحدى السيدات.

دقة المعلومات التي أدلت بها صاحبة المكالمة الهاتفية التي حاولت في البداية أن تبقى مجهولة جعلت المحققين يسارعون في البحث عنها والعمل على استجوابها، وسرعان ما اعترفت “روز ألبا باربا”، البالغة 21 سنة، بعلاقتها بالجريمة البشعة التي تعرض لها “جانّي ماروكينو”، وهو اللقب الذي كان يطلق على المهاجر المغربي خالد لغريدي، البالغ 43 سنة، الوجه المعروف لدى العديد من الساكنة المحلية بحكم تعاطيه للبيع بالتجوال بالمنطقة منذ سنوات، متهمة والدها “ماركو باربا” بقتله وإرغامها على مساعدته في إتلاف الجثة.

ماركو باربا أو “تانّاتو” كما يلقب لدى الساكنة المحلية (ويعني “الملعون” حسب اللهجة المحلية) ما هو إلا أحد أعضاء مافيا “ساكرا كورونا أونيتا” (التاج المقدس المتحد) التي تنشط بجهة بوليا (أقصى الجنوب الشرقي) أين توجد بلدة “غاليبولي”، قضى نصف عمره في السجن (حوالي 23 سنة) لتورطه في ثلاث جرائم قتل على الأقل والعديد من قضايا السرقة والعنف، وكان قد غادر السجن منذ حوالي 5 سنوات بعدما أوهم المحققين بأنه مستعد للتعاون معهم في كشف بعض أسرار “ساكرا كورزنا أونيتا”، حتى يستفيد من العفو الذي يمنحه القانون لكل عناصر المافيا التي تتعاون مع المصالح الأمنية، إلا أنه في شهر أكتوبر الماضي سيتم اعتقاله من جديد بعدما قام بتهديد أحد السياسيين المحليين بمدينته، وفي عملية تفتيش لمنزله تم العثور على أنواع عديدة من الأسلحة وكميات مهمة من المخدرات.

وحسب معلومات من أقارب الضحية المغربي خالد لغريدي، فإن وقوعه في أيدي “الملعون” تبقى غامضة بالنسبة لهم، نافين أن يكون الأمر له علاقة بتصفية الحسابات بينهما كما ذهبت إلى ذلك بعض وسائل الإعلام الإيطالية، خصوصا أن الضحية كان قد وصل لتوه من المغرب وكان لا يأتي إلى إيطاليا إلا في فترة الصيف، إذ يشتغل كبائع متجول بالشواطئ المحلية، ثم يعود بعد ذلك إلى المغرب أين كان يعيش رفقة زوجته وابنهما الذي لم يتجاوز ربيعه الأول.

تتذكر إحدى شقيقات الضح، آخر مرة رأت شقيقها خالد الذي كان يقيم معها في بيتها الواقع بمدينة ليتشي، مساء الخميس 23 يونيو من السنة الماضية، الذي تزامن مع شهر رمضان، موردة أنه بعد تناوله وجبة الإفطار أخبرها بعد توصله بمكالمة هاتفية أنه سيتجه إلى بلدة غاليبولي الساحلية التي تبعد بحوالي 40 كلم عن مدينة ليتشي، حيث تلقى عرضا للعمل في غسل الأواني بأحد المطاعم هناك، وأمام تأخر عودته في الليل على غير عادته حاولت الاتصال به عبر الهاتف دون أن تفلح في ذلك، لتتبعه بعد ذلك بالتوجه إلى المصالح الأمنية منذ اليوم الموالي.

وتضيف المتحدثة ذاتها أن اختفاء شقيقها لفه غموض كبير منذ البداية، إذ كانت تفقد أعصابها عندما كانت تكتشف أن كل البلاغات والطلبات التي كانت تتقدم بها لدى المصالح الأمنية كانت لا تبرح مكانها، حسب تعبيرها، خاصة ما يتعلق بمعرفة الشخص الذي اتصل بشقيقها عبر الهاتف ومحاولة التوصل إليه لمعرفة مصيره، إذ دائما ما كان المحققون يتذرعون بطول المساطر والإجراءات القانونية، وبأن الأمر قد يأخذ سنوات حتى يمكنهم الحصول على موافقة النيابة العامة، إضافة إلى أن بعض الشهود المغاربة كانوا قد أفادوا بداية بأنهم شاهدوا شقيقها رفقة إحدى الإيطاليات يومين بعد اختفائه، إلا أنهم بعد ذلك أمام عناصر الأمن تراجعوا عن أقوالهم.

واستغربت شقيقة الضحية كيف حاول البعض تقديم ما وقع لشقيقها على أنه تصفية حسابات مع زعيم مافيا، رغم أنه كان مهاجرا بسيطا همه الوحيد أن يوفر قوت عياله، والعودة إلى المغرب حيث كان يقضي معظم فترة السنة رفقة والديه وزوجته وابنه المتواجدين بحي الولفة بالدار البيضاء.

وعن الأسباب التي قد تكون دفعت عضو المافيا إلى تصفية المهاجر المغربي يبقى الأحتمال الأكبر بعد استبعاد فرضية تورط “لغريدي” في ترويج المخدرات أن “تانّاتو”، الذي يحاول حاليا نفي التهمة ويدعو إلى السماح له بمواجهة ابنته، قد يكون ضبط الأخيرة رفقة المهاجر المغربي ليقضي عليه في جريمة بشعة، كل المؤشرات تدل على أن منفذها لا يمكن أن يكون إلا أحد محترفي الإجرام الذين يستعملون الأساليب نفسها في تصفية خصومهم.

بدورها، حسب المعلومات الأولية التي تسربت إلى الصحافة المحلية، فإن المبلغة عن الجريمة بدت مرتبكة في ذكر الأسباب التي قد تكون جعلت والدها يقدم على جريمته، فتارة تقول إنه كان “يغير عليها”، وتارة أخرى صرحت بأنه اتهم خالد بسرقة كمية مهمة من المخدرات.

وفي انتظار تقرير الطب الشرعي في الساعات القليلة المقبلة الذي سيكشف هوية الضحية، تم تسجيل اسمي عراب المافيا ماركو باربا وابنته روز ألبا في سجل المتهمين بالقتل العمد ومحاولة إخفاء معالم الجريمة؛ فيما يحاول المحققون استكمال جميع معالم الجريمة، إذ تم الاستماع إلى باقي أفراد أسرة باربا المتكونة من زوجته وبنتين، ومحاولة كشف ألغاز الجريمة ومكان ووقت حدوثها.

هذا، وفي غياب تقرير الطب الشرعي النهائي، مازالت المصالح الأمنية تتحفظ عن كشف التفاصيل المتوفرة لديها حول الجريمة؛ فيما بادر فيتشينسو أبينانتي، القنصل الشرفي للمغرب بجهة بوليا، إلى الاتصال بأسرة الضحية المغربي لمواساتها وتقديم المساعدة في متابعة التحقيق في الجريمة.